محمد جمال الدين القاسمي

386

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فظلمته ؟ فقال له : العفو أقرب للتقوى . فقال : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . وقال المتنبي : من الحلم أن تستعمل الجهل دونه * إذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم لطيفة : الاستثناء في قوله تعالى إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إما متصل أو منقطع . فعلى الأول فيه وجهان : الأول - قول أبي عبيدة : هذا من باب حذف المضاف ، أي : إلا جهر من ظلم . فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . والثاني - قول الزجاج : المصدر هاهنا بمعنى الفاعل . أي : لا يحب اللّه المجاهر بالسوء إلا من ظلم . وعلى أنه منقطع ، فالمعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته . وقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه ويعلم ظلم ظالمه . كما قال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [ إبراهيم : 42 ] . ووعيد له أيضا بأن يتعدّى في الجهر المأذون فيه . بل ليقل الحق ولا يقذف بريئا بسوء فإنه يصير عاصيا للّه بذلك . ثم حث سبحانه على العفو بعد ما جوّز الجهر بالسوء وجعله محبوبا ، حثّا على الأحب إليه والأفضل عنده . وإلا دخل في الكرم والتخشع والعبودية ، فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 149 ] إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أي : طاعة وبرّا أَوْ تُخْفُوهُ أي : تعملوه سرّا أَوْ تَعْفُوا أي : تتجاوزوا عَنْ سُوءٍ أي : ظلم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً أي : يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام . فعليكم أن تقتدوا بسنة اللّه بالعفو مع القدرة . فثمرة هذه الآية الحث على العفو ، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء ، وإن كان على وجه الانتصار ، حملا على مكارم الأخلاق . وإنما كان المقصود العفو لأن ما قبلها في ذكر السوء والجهر به . فمقتضى السياق : لا يحب اللّه الجهر بالسوء إلا من ظلم . فإن عفا المظلوم عنه ، ولم يدع على ظالمه ويتظلم منه ، فإن اللّه عفوّ قدير . وإنما ذكر قبله إبداء الخير وإخفاءه توطئة للعفو عن السوء . لأنه يعلم من مدح حالي الخير : السر والعلانية ، أن السوء ليس كذلك جهرا وإخفاء . فينبغي العفو عنه وتركه . وإنما عطف